الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
319
شرح ديوان ابن الفارض
هذا وقتك لأن الدمع من شأنه أن يخفف البلاء ، ويدفع ما في القلب من حرارة الوجد . كما قال الشاعر : إن البكاء هو الشفا * ء من الجوى بين الجوانح وانظر إلى التأكيد في يا قوم يا قوم ولا نوم لا نوم واليوم اليوم فإنك تجد لطفا ظاهرا وحسنا باهرا . ( ن ) : المعنى في هذا البيت أن المحبوب الحقيقي حكم بالذنوب على المحب لا لغرض ولا عبثا ومحبه في يقظة لا نوم له ولا غفلة عنده عن ملاحظته والشوق إليه قد اشتد والوقت امتد وما حيلته إلا البكا وإليه المشتكى . اه . وقال رضي اللّه عنه : إن متّ وزار تربتي من أهوى لبّيت مناجيا بغير النجوى في السّرّ أقول يا ترى ما صنعت ألحاظك بي وليس هذا شكوى [ المعنى ] اعلم أن الشعراء يذكرون زيارة الحبيب لهم بعد الموت فمن ذلك قول توبة الحميري : فلو أن ليلى الأخيلية سلمت * عليّ ودوني جندل وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا * إليها صدى من جانب القبر صائح وقال الآخر : ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا * ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظل صدى صوتي وإن كنت رمّة * لصوت صدى ليلى يهش ويطرب قوله « لبيت مناجيا بغير النجوى » أي إن زار تربتي من أهواه بعد الموت لبيت أي قلت : لبيك ، فإن قلت إن قولي لبيك يستدعي نداء لأن معنى لبيك أقمت على إجابتك أيها المنادي مرة بعد أخرى ، وهنا زيارة ليس فيها نداء قلت إن الزيارة تستلزم النداء لأن الحبيب إذا زار العاشق الكئيب فلا أقلّ من السلام عليه ، فكأنه يقول إن مت وزار تربتي من أهواه لبيت وبادرت إلى جواب التحية عند الزيارة بأفصح عبارة . قوله « مناجيا » أي محادثا . « بغير النجوى » أي بغير مسارة . أي بل لبّيت جهرة فالمراد من قوله مناجيا أي مخاطبا لمن أهواه عند الزيارة لكن لا بالمسارة . ثم قال « في السر أقول » الخ . فهو يقول في التلبية جهرا وفي الشكاية سرا . فله عند زيارة الحبيب لقبره حديثان : أحدهما جواب تحيته وهو جل فرحه به جهرا بغير إسرار . والثاني شكايته